ابراهيم بن عمر البقاعي
129
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
أخبر أن القوم خرجوا ، فرجع حتى إذا وضع رجله في أسكفة الباب داخلة وأخرى خارجة أرخى الستر ، وفي رواية : فذهبت أدخل فألقى الحجاب بيني وبينه ، وأنزلت آية الحجاب « 1 » يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ الآية ، وللبخاري عن عائشة رضي اللّه عنها قالت : كان عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه يقول لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : احجب نساءك ، قالت : فلم يفعل ، وكان أزواج النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يخرجن ليلا إلى ليل قبل المناصع ، خرجت سودة بنت زمعة وكانت امرأة طويلة رضي اللّه عنها ، فرآها عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه وهو في المجلس فقال : عرفتك يا سودة ، حرصا على أن ينزل الحجاب ، قالت : فأنزل اللّه عز وجل الحجاب « 2 » وللبخاري عن أنس رضي اللّه عنه ومسلم عن ابن عمر رضي اللّه عنهما كلاهما عن عمر رضي اللّه عنه قال : قلت : يا رسول اللّه ! إن نساءك يدخل عليهن البر والفاجر ، فلو أمرتهن أن يحتجبن ، فنزلت آية الحجاب ، وروي في السبب أشياء غير هذه ، وقد تقدم أنه ليس ببدع أن يكون للآية الواحدة عدة أسباب مستوية الدرجة ، أو بعضها أقرب من بعض ، على أنه قد روى البخاري في التفسير في سياق هذه الآية ما هو صريح في أن قصة سودة بعد الحجاب عن عائشة رضي اللّه عنها ، قالت : خرجت سودة بعد ما ضرب الحجاب لحاجتها وكانت امرأة جسيمة لا تخفى على من يعرفها ، فرآها عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه فقال : يا سودة ! أما واللّه ما تخفين علينا ، فانظري كيف تخرجين ، قالت : فانكفأت راجعة ورسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في بيتي وإنه يتعشى وفي يده عرق ، فدخلت فقالت : يا رسول اللّه ! إني خرجت لبعض حاجتي ، فقال لي عمر كذا وكذا ، قالت : فأوحى اللّه إليه ثم رفع عنه وإن العرق في يده ما وضعه فقال : قد أذن لكن أن تخرجن لحاجتكن « 3 » وهؤلاء الذين جلسوا - والنبي صلّى اللّه عليه وسلّم على ما هو عليه من الكراهة لجلوسهم بما ذكر من هيئته في حيائه وتهيئه للقيام ونحو ذلك - لم يستثمروا الفقه من أحواله ، بل كانوا واقفين عندما يسمعونه من مقاله ، وطريقة الكمل الاستبصار برسمه وحاله كما يستبصرون من قاله وفعاله ، قال الحرالي : الحال كل هيئة تظهر عن انفعال باطن ، ويختص بتفهمها المشاهد المتوسم ، وذلك كضحكه صلّى اللّه عليه وسلّم للذي رآه يوم خيبر وقد أخذ جراب شحم من فيء يهود وهو يقول : لا أعطي اليوم من هذا أحدا شيئا « 4 » ، وكتغير وجهه لعمر رضي اللّه عنه لما أخذ يقرأ عليه صحيفة من حكم
--> ( 1 ) أخرجه البخاري 6240 من حديث عائشة . ( 2 ) أخرجه البخاري 4795 من حديث أنس . ( 3 ) أخرجه البخاري 4795 من حديث عائشة . ( 4 ) أخرجه البخاري 3153 و 4214 و 5508 ومسلم 1393 والبيهقي في الدلائل 4 / 241 .